فصل: رأي رفيق بك العظم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: عثمان بن عفان **


 الفصل السابع‏:‏ آراء ومواقف في مقتل عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ

  رأي الأستاذ فريد وجدي في مقتل عثمان

نورد هنا ما كتبه الأستاذ فريد وجدي في دائرة المعارف خاصًَّا بمقتل عثمان‏:‏

‏"‏إن الناظر في حادثة عثمان على ما أحاطها به المؤرخون من عبارات التضليل الباعث عليه ضعف النقد، يعدها أمرًا جليلًا، وهي في حقيقتها أمر طبيعي، كانت نتيجتها لازمة لمقدمات سابقة‏.‏ ونحن لا نود أن نقول بأن عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ استحق أن يقتل‏.‏ ولكنا نقول‏:‏ إنه استحق أن يعزل، ولكن الشكل الفذُّ الذي كانت عليه الحكومة إذ ذاك لم يسمح إلا بحدوث هذه النتيجة المحزنة المريعة‏.‏

عثمان استحق أن يعزل لجملة أسباب‏:‏

أولًا ـ لضياع هيبة الخلافة في عهده، فإنه كان يجترئ رجل مثل ‏"‏جهجاه‏"‏ على كسر العصا التي كان يتوكأ عليها، وهو على المنبر، فلم يقوَّ على معاقبته بما يستحق، أو بمؤاخذته بحيث لا يجترئ بمثلها‏.‏

وقد تبيَّن من تاريخ حياته أنه كان يصعد المنبر فيتوب مما فعل، ويستغفر اللَّه، ثم يعود سيرته الأولى من الخضوع لرأي فتية بني أمية‏.‏ وفي توبته إقرار بأنه أخطأ، ثم في عودته دليل محسوس على خضوعه للمؤثرين عليه، وكفى بهذا مسقطًا لهيبة الخلافة، وهي الوظيفة التي كانت تعتبر تالية لمقام النبوة‏.‏

ثانيًا ـ لوقوعه تحت تأثير قرابته، من أمثال عبد اللَّه بن أبي سرح، وعمرو بن العاص ‏[‏يلاحظ أن عمرو بن العاص كان ناقمًا على عثمان بعد أن عزله عن ولاية مصر سابقًا غير أن عثمان كان مع ذلك يستشيره‏]‏، وسعيد بن العاص، ومروان بن الحكم، ومعاوية بن أبي سفيان، وغيرهم، وهم إما من الطلقاء الذين مَنَّ رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ عليهم بالعفو عند فتح مكة بعد أن كان تاريخهم في مكافحة الدعوة الإسلامية أقبح تاريخ‏.‏ وإما من الفتيان الذين لا حريجة لهم في الدين، ولا صفة لهم بين المؤمنين ‏[‏ص 198‏]‏‏.‏

ثالثًا ـ لحرمانه المجتمع الإسلامي من مكونيه الأولين أمثال علي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وأبي أيوب الأنصاري، وعبد اللَّه بن عمر، وغيرهم من كبار الصحابة، واعتماده على فتيان بني أمية‏.‏ فكان يرسل إلى الولايات الكبرى كمصر وسورية والعراقين والفرس من أولئك الفتية ممن لا يحسنون قيادة، ولا يعرفون سيادة‏.‏ ويترك أمثال أولئك الكاملين عاطلين بلا عمل، وهم مكونو المجتمع الإسلامي وأرواحه التي أقامته من المجتمعات البشرية‏.‏

هذه الأمور الثلاثة وحدها كانت كافية لإهلاك المجتمع الإسلامي وحلِّ الوحدة الدينية، وهي وحدها كانت كافية لجمع المسلمين على خلع ذلك الخليفة، ولكن شكل تلك الحكومة لم يكن يسمح لهم بخلعه، فحدثت الحادثة التي انتهت بقتله‏.‏

كان عثمان يستطيع أن يتلافى الوقوع في شرِّ هذه الحوادث بتولية أمثال علي وطلحة والزبير الولايات الكبيرة‏.‏ فإن هؤلاء النفر كان لهم من المقام الرفيع، والسوابق الجليلة، والحب في نفوس الناس ما كان يقيم الكافة على الطريق السوِّي، ويوجد للمجتمع الإسلامي روحه المدبر، ولكن عثمان كان تحت تأثير مثل عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح المطعون في دينه، ومروان بن الحكم المكروه من الناس وغيرهما من الغلمان والأحداث دون أولئك الصحابة الأكرمين الذين استعان بهم النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ نفسه في تكوين الأمة، واستعان بهم أبو بكر وعمر في تقويم معرج الشؤون‏.‏ فكيف لا تنحرف عنه الأمة‏؟‏‏.‏ وكيف لا تسقط مهابة الخلافة‏؟‏‏.‏ وكيف لا يجترئ الناس عليه‏!‏‏.‏

إن قتل عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ على حسن سوابقه وفضله في إقامة الدين، وبذله نفسه وماله في مساعدة رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، يعد من الأمور المريعة‏.‏ ولكن الثائرين طلبوا إليه أن يخلع نفسه فأبى فحاصروه ليحملوه على ذلك فأصر على الإباء‏.‏ فدخلوا عليه وهددوه بالقتل فلم يزدد إلا إباءً فاستهدف نفسه بذلك لما حدث‏.‏

هذا رأينا ولكن إخواننا المؤلفين الأولين كانوا يذهبون في تعظيم الأشخاص مذهبًا لا يلائم نصَّ الدين نفسه، فاستنكروا حادثة عثمان استنكارًا لم يفعله معاصروه أنفسهم‏"‏‏.‏

  رأي رفيق بك العظم

كتب الأستاذ رفيق بك العظم المؤرخ الشهير في ترجمته حياة عثمان بن عفان كلمة في هؤلاء الناقمين على عثمان وفي أهمية تاريخ الصحابة، ما يأتي‏:‏

‏"‏إنَّ من يطالع هذا الخبر من أسراء الاستبداد وأليفي الاستعباد يعجب من جرأة القوم وتجاوزهم حدود الحشمة مع وجود الصحابة، وأعجب منه عندهم أن يتجاوز عن القوم لا ينالهم ‏[‏ص 199‏]‏ أدنى عقاب على ما فعلوه سوى التوبيخ، إذ لو حدث من غيرهم ما حدث منهم في حكومة أخرى غير الحكومة الإسلامية يومئذٍ لما كان جزاؤهم إلا القتل أو قضاء الحياة في أعماق السجون‏.‏ ولكن شأن العرب وشأن الإسلام وحكومته يومئذٍ لا يضاهيه شأن الأمم الأخرى وحكوماتها‏.‏ إذ العرب قد اعتادوا بأصل الفطرة حرية الفكر والقول‏.‏ وشرائع الإسلام لم تكن مصادمة لتلك الفطرة، بل هي معينة لها، داعية لتهذيبها وارتقائها‏.‏ فالقرآن يأمر المسلمين عامة بقول الحق، وأن يقوموا بالقسط ويشهدوا بالحق ولو على أنفسهم، ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر‏.‏ وفي هذا كله ما يجيز لهم الانتقاد على الأمراء والعمال ويطلق لهم العنان فيما اعتادته فطرتهم من حرية القول، بشرط أن لا يترتب على قولهم حدُّ من الحدود الشرعية كالقذف وكل ما يمسُّ بالشرف والعرض ويدعو إلى إقامة الحدِّ، أو أية عقوبة من عقوبات التعزير‏.‏ لهذا قام هؤلاء الناس وغيرهم في الأمصار الإسلامية يظهرون الطعن على عثمان وعماله باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس من يجرؤ على معاقبتهم، أو الضرب على أيديهم من العمال، لأنه حق من الحقوق التي خولتها لهم الفطرة والشرع‏.‏ ولم يظهر عليهم النكير إلا بعد أن ترتب على عملهم حق من حقوق اللَّه في قتل عثمان رحمه اللَّه وـ رضي اللَّه عنه ـ‏.‏ وهذا عين ما يشاهد الآن في الممالك الأوربية ذات الحكومات الشورية من إطلاق ألسنة الانتقاد على الحكومات ومناقشة أهل الشورى للوزراء في كل جليل وحقير‏.‏ وكثيرًا ما يلجئون الوزراء إلى اعتزال مناصبهم إذا رأوا منهم ما يستدعي ذلك، فيعتزلونها صاغرين‏.‏ وشأنهم هذا شأن المسلمين في ذلك العهد مع أمرائهم كما رأيت‏.‏ وترى العبرة في عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ وعماله ونهوض الأمة لمؤاخذته على أمور هي ولا نكران للحق أقل مما يأتيه أصغر عامل من عمال الدول المطلقة في هذا العصر وفي كل عصر‏.‏ ومع هذا فقد أفضى الأمر إلى طرد عماله من الأمصار، ثم إجلاب الناس عليه بالخيل والرجل من كل مصر وقتله بين ظهراني إخوانه من المهاجرين والأنصار‏.‏ فليت شعري كيف نسي المسلمون تاريخ هذه النشأة التي نشأ عليها أسلافهم وأهملوا أمور شريعتهم التي عمل بها مؤسسو دولتهم فاستخذوا بعد ذلك للأمراء واستسلموا للقضاء حتى صاروا أسراء الاستبداد، وتعبَّدهم الملوك في كل الأنحاء، وسامتهم الدول الحاكمة عليهم من إسلامية ومسيحية دروب الخسف‏.‏ وأذاقتهم أنواع الهوان‏.‏ وأين تلك الروح البارَّة والنفس العالية التي كانت تأبى الضيم وتغضب للحق فترى أن الموت والحياة سيان في سبيل الذود عن حقوقها والاحتفاظ بحريتها‏.‏

لا جرم أن الأمة الإسلامية قد أُنست ذلك لأمرين‏:‏

الأول‏:‏ عدم العناية بوضع قواعد الشورى على الأصول الثابتة منذ نشوء الدولة كما سبق بيان هذا في صدر هذا الجزء‏.‏

والثاني‏:‏ تحريم العلماء بإيعاز الأمراء الخوض في تاريخ الخلفاء ‏[‏ص 200‏]‏ الراشدين ‏[‏قال‏:‏ نريد بالخوض هنا معناه اللغوي وهو من قولهم‏:‏ خاض الماء أي تغلغل فيه‏.‏ فإذا كان مراد القائلين بحرمة الخوض في أخبار الصحابة هذا التغلغل فلا نسلم لهم بحرمته وإذا كان مرادهم به المعنى المجاز كالخوض في الباطل ونحوه فهذا ما لا ننكره عليهم بل هو مما نقول ونسلم به وأنا أريد الخوض هنا بالمعنى الأول‏.‏ فليتنبه له‏.‏‏]‏ وأخبار الصدر الأول التي كلها حياة‏.‏ كلها عبر‏.‏ حرية‏.‏ وليس في كل ما كان بين الصحابة من الأمور العظام، والفتن الجسام، ما يدعو دينًا أو أدبًا إلى اجتناب الخوض في أخبارهم والنظر في تاريخهم تعظيمًا لهم واحترامًا لجنابهم، وتسليمًا بسلامة مقاصدهم كما يذهب إليه خدام الأمراء من بعض العلماء‏.‏ إذ لو كان في أخبارهم ما يمنع من الخوض فيها دينًا، أو أدبًا لاستلزم أنها أعمال تحطُّ من منزلتهم وتقلل من احترامهم‏.‏ وهذا باطل بالبداهة‏.‏

والحقيقة هي أن هذا التحريم لم يكن إلا بإيعاز الأمراء الجبارين والزعماء المستبدين‏.‏ لأن تاريخ الصدر الأول وأخبار الصحابة كلها تدل على حياة منبثة في صدور القوم ومقاصد عالية تعلي شأن أولئك الرجال، وواللَّه ليس في تاريخ من تواريخ الأمم في بدء نشأتها وإبان ظهورها ما في تاريخ الخلفاء الراشدين‏.‏ ووقائع الصحابة من الحوادث التي ترمي كلها إلى غرض الحرية وتمحيص الحق مما قلَّ أن يكون في أمة حديثة النشأة ودولة جديدة التكوين‏.‏ أما أن فريقًا منهم أخطأ وفريقًا أصاب‏.‏ وفريقًا بغى وفريقًا بغي عليه‏.‏ فهذا الحكم إنما هو تابع للمقاصد والمقاصد كانت كلها متجهة إلى تمحيص الحق والرغائب العالية‏.‏ فمن العبث أن يحكم بخطأ فريق ما دام يعتقد أنه على صواب‏.‏ ومثاله هؤلاء المحرضون على عثمان، فإنا مع اعتقادنا أن عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ خير من كثير غيره ممن أتى بعده من الخلفاء‏.‏ ومع علمنا أنه لم يأتِ من حبِّ النفس أو الأثرة بجزء مما يأتيه حتى أشهر من اشتهر بالعدل من الخلفاء الأمويين أو العباسيين، أو غيرهم فإن أولئك الثائرين على عماله الناقمين منه مهما كان الدافع لهم إلى ذلك العمل فإن غايتهم التي يقصدون إليها بحسب الظاهر هي العدل بين الناس بعدم الاستئثار بمصالح المسلمين ومنافع الأمة كما تعودوا ذلك من الخليفتين السابقتين، وإن كانت سيرتهما في الخلافة وسياسة الملك فوق المستطاع لمن عداهما‏.‏ لهذا لم يستطع أن يمد إليهم العمال بسوء فهم إذا أوخذوا فإنما يؤاخذون من جهة أنهم كانوا يطلبون من عثمان فوق ما يستطاع بالنسبة إليه‏.‏ وأنهم غلوا في ذم سيرته تذرعًا لمحو الصبغة الأموية من الدولة غلوًا يلامون عليه ما دام ذلك الغلو لغرض آخر يرمون إليه‏.‏

وأما قتلته فإنهم أخزاهم اللَّه ليسوا بمؤاخذين وحسب بل هم ملعونون على لسان كبار الصحابة كحذيفة بن اليمان وأضرابه، وهو مسؤولون عن عملهم دون غيرهم‏.‏ وقد جنوا على الأمة في مستقبلها جناية كبرى كما سنشير إليه بعد إن شاء اللَّه ‏[‏ص 201‏]‏‏.‏

إذا تقرر هذا، فاعلم أن أخبار الصحابة إنما حرم بعضهم الخوض فيها، لأنها أخبار قوم ملئت صدورهم بالحياة ونفوسهم بالعزة‏.‏ وهم بالضرورة قدوة الأمة، والمنادون منذ نشأت الدولة بصوت العدل والحرية والحق‏.‏ فوقوف الناس على أخبارهم والأخذ والردُّ فيما حدث بينهم يُحيي في القلوب روح الحرية، ويبعث على استظهار عامة الناس للحجة التي يصادمون بها آلات الاستبداد من الخلفاء والملوك الذين حولوا الخلافة إلى الملك العضوض، وأمعنوا في التمكُّن من رقاب الناس‏.‏ ولهذا ولما كثر خوض الناس في أخبار الصحابة أرادوا إلهاءهم عنها بحجة حرمة الخوض فيها، فأوعزوا إلى الوضاع والقصاصين بوضع أخبار المغازي، وقصة عنترة، وأشباهها في أعصر مختلفة لا تعلم بالتحقيق، إلا إذا صحَّ نسبة أكثر تلك الكتب إلى الواقدي والأصمعي، فإنها تكون في عصر العباسيين وذلك ليتلهى بها العامة عن التاريخ الصحيح الذي يبعث في النفوس روح الجرأة على قول الحق والتشبه بسلف الأمة ورجالها، ورافعي دعامة دولتها في مناهضة أرباب العتو والجبروت ومحبي الاستبداد وآلهة الملك‏.‏ هذا ما أراه في هذا الباب واللَّه أعلم بالصواب‏"‏‏.‏

  المدافعون عن عثمان

قد أبدينا رأينا في سياسة عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ، وذكرنا في مواطن شتى أسباب الفتنة، وما استوجب غضب الناس عليه وقتئذٍ، كما أننا ذكرنا ردَّه على منتقديه، لكنه ـ رضي اللَّه عنه ـ عاد فتاب في خطبة له، وإن كان لم يغيّر سياسته بسبب تسلط أقاربه عليه، غير أن بعض المؤلفين تعرَّضوا لأسباب النقمة وفنَّدوها واحدة واحدة، ومعنى ذلك أن الأمة الإسلامية في ذلك الوقت وقد أجمعت تقريبًا عدا أقاربه على نقد خطته السياسية كانوا على خطأ، مع العلم بأن كبار الصحابة كانوا لا يرون رأيه وينقدون سياسته ونصحوا مرارًا بالإقلاع عنها، فالدفاع عنه وتبرئته من كل خطأ أدى إلى هذه الكارثة التي أعقبتها كوارث مناقض لرأي الصحابة ولتوبته الأخيرة‏.‏ وليس يتضح الحق بمثل هذا الدفاع، وقد نقل الأستاذ فريد وجدي بعض ما كتبه أبو بكر محمد بن يحيى الأشعري في كتابه ‏"‏التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان‏"‏ دفاعًا عنه فليراجعه من أراد التفصيل والكتاب موجود بدار الكتب المصرية‏.‏

ولا يفوتنا في هذا المقام أن نأتي على ذكر مثال مما ردَّ به أبو جعفر أحمد، الشهير بالمحب الطبري، صاحب كتاب ‏"‏الرياض النضرة في مناقب العشرة‏"‏ قال‏:‏

الأول‏:‏ ما نقموا عليه من عزله جمعًا من الصحابة، منهم أبو موسى عزله عن البصرة وولاها عبد اللَّه بن عامر‏.‏ ومنهم عمرو بن العاص عزله عن مصر وولاها عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح، وكان ارتد في حياة النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ ولحق بالمشركين، فأهدر النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ دمه بعد الفتح إلى ‏[‏ص 202‏]‏ أن أخذ له عثمان الأمان، ثم أسلم‏.‏ ومنهم عمار بن ياسر عزله عن الكوفة، ومنهم المغيرة بن شعبة عزله عن الكوفة أيضًا، ومنهم عبد اللَّه بن مسعود عزله عن الكوفة أيضًا وأشخصه إلى المدينة‏.‏

الجواب‏:‏ أما القضية الأولى وهي عزل من عزله من الصحابة فإليك التفصيل‏:‏ أما أبو موسى فكان عذره في عزله أوضح من أن يذكر فإنه لو لم يعزله اضطربت البصرة والكوفة وأعمالهما للاختلاف الواقع بين جند البلدين‏.‏ وقصته‏:‏ أنه كتب إلى عمر في أيامه يسأله المدد فأمده بجند الكوفة، فأمرهم أبو موسى قبل قدومهم عليه برامهرمز فذهبوا إليها وفتحوها، وسبوا نساءها وذراريها، فحمدهم على ذلك، وكره نسبة الفتح إلى جند الكوفة دون جند البصرة فقال لهم‏:‏ إني كنت أعطيتهم الأمان وأجلتهم ستة أشهر فردوا عليهم، فوقع الخلاف في ذلك بين الجندين وكتبوا إلى عمر فكتب عمر إلى صلحاء جند أبي موسى، مثل البراء وحذيفة وعمران بن حصين وأنس بن مالك وسعيد بن عمرو الأنصاري وأمثالهم وأمرهم أن يستحلفوا أبا موسى، فإن حلف أنه أعطاهم الأمان وأجلهم ردوا عليهم فاستحلفوه فحلف ورد السبي عليهم وانتظر لهم أجلهم وبقي الجند حانقين على أبي موسى، ثم رفع على أبي موسى إلى عمر وقيل له‏:‏ لو أعطاهم الأمان لعلم ذلك، فأشخصه عمر وسأله عن يمينه فقال‏:‏ ما حلفت إلا على حق‏.‏ قال‏:‏ فَلِمَ أمرت الجند حتى فعلوا ما فعلوا وقد وكلنا أمرك في يمينك إلى اللَّه تعالى، فارجع إلى عملك‏.‏ فليس نجد الآن من يقوم مقامك، ولعلنا إن وجدنا من يكفينا عملك وليناه‏.‏ فلما مضى عمر لسبيله وولى عثمان شكا جند البصرة شح أبي موسى، وشكا جند الكوفة ما نقموا عليه، فخشي عثمان ممالأة الفريقين على أبي موسى فعزله عن البصرة، وولاَّها أكرم الفتيان عبد اللَّه بن عامر بن كريز وكان من سادات قريش وهو الذي سقاه رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ ريقه حين حُمِلَ إليه طفلًا في مهده‏.‏

وأما عمرو بن العاص فإنما عزله، لأن أهل مصر أكثروا شكايته، وكان عمر قبل ذلك عزله لشيء بلغه عنه، ثم لما ظهرت توبته ردَّه، كذلك عزله عثمان لشكاية رعيته، كيف والرافضة يزعمون أن عمرًا كان منافقًا في الإسلام، وعلى زعمهم فقد أصاب عثمان في عزله، فكيف يعترضون على عثمان بما هو مصيب فيه عندهم‏؟‏‏.‏

وأما تولية عبد اللَّه فمن حسن النظر عنده، لأنه تاب وأصلح عمله، وكانت له فيما ولاَّه آثار محمودة، فإنه فتح من تلك النواحي طائفة كبيرة حتى انتهى في إغارته إلى الجزائر التي في بحر بلاد الغرب وحصَّل في فتوحه ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار سوى ما غنمه من صنوف الأموال، وبعث بالخمس منها إلى عثمان، وفرَّق الباقي في جنده، وكان في جنده جماعة من الصحابة ومن أولادهم، كعقبة بن عامر الجهني، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص قاتلوا تحت رايته، وأدُّوا طاعته، ووجدوه أقدر على سياسة الأمر من عمرو بن ‏[‏ص 203‏]‏ العاص، ثم أبان عن حسن رأي في نفسه عند وقوع الفتنة فإنه حين قتل عثمان اعتزل الفريقين، ولم يشهد مشهدًا، ولم يقاتل أحدًا بعد قتال المشركين‏.‏

وأما عمار بن ياسر فأخطؤوا في ظن عزله، فإنه لم يعزله وإنما عزله عمر‏.‏ كان أهل الكوفة قد شكوه، فقال عمر‏:‏ من يعذرني من أهل الكوفة، إن استعملت عليهم تقيًا استضعفوه، وإن استعملت عليهم قويًا فجروه، ثم عزله وولَّى المغيرة بن شعبة، فلما ولِيَ عثمان شكوا المغيرة إليه، وذكروا أنه ارتشى في بعض أموره، فلما رأى ما وقرَّ عندهم منه استصوب عزله عنهم، ولو كانوا مفترين عليه‏.‏ والعجب من هؤلاء الرافضة كيف ينقمون على عثمان عزل المغيرة وهم يكفرون المغيرة على أنا نقول‏:‏ ما زال ولاة الأمر قبله وبعده يعزلون من أعمالهم من رأوا عزله ويولون من رأوا توليته بحسب ما تقتضيه أنظارهم‏.‏ عزل عمر خالد بن الوليد عن الشام وولى أبا عبيدة، وعزل عمارًا عن الكوفة وولاَّها المغيرة بن شعبة، وعزل علي قيس بن سعد عن مصر وولاَّها الأشتر النخعي‏.‏ ألا ترى إلى معاوية وكان مما ولى عمر لما ضبط الجزيرة وفتح البلاد إلى حدود الروم وفتح جزيرة قبرس وغنم منها مائة ألف رأس سوى ما غنم من البياض وأصناف المال وحمدت سيرته وسراياه أقره على ولايته‏.‏

وأما ابن مسعود فسيأتي الاعتذار عنه فيما بعد‏.‏

هذا جواب المحب الطبري معتذرًا عن عثمان في المسألة الأولى التي ذكرها‏.‏ ونحن نقول‏:‏ إن الخليفة له أن يعزل من شاء من الولاة ممن يرتكبون وزرًا، أو يشك في سيرتهم، ويعين من يثق بهم، لكنهم نقموا على عثمان أنه كان يراعي أقاربه، ويخصهم بالولاية، ويتسامح معهم‏.‏ وإن الفتنة لم تنشأ عن شكوى خاصة بل عن عدة أمور كانت في مجموعها سببًا في السخط العام‏.‏ فعبد اللَّه بن عامر الذي ولاَّه عثمان البصرة مكان أبي موسى كان ابن خاله، وكان عمره خمسًا وعشرين عامًا وقتئذٍ مع اعترافنا بفتوحه وشجاعته، وولى مصر عبد اللَّه بن سعد ابن أبي سرح وهو أخوه من الرضاعة، وكان كاتب الوحي، ثم ارتد مشركًا، وأهدر رسول اللَّه دمه إلى أن أخذ عثمان له الأمان‏.‏ نعم إنه فتح شمال إفريقية لكن عمرًا المعزول عن ولاية مصر، والذي له الفضل في فتحها قد أغضبه أن يعزل فوجد مجالًا للطعن على الوالي الجديد من هاتين الناحيتين وغيرهما، وظل ناقمًا طاعنًا على عثمان إلى النهاية، ولا يخفى أن عمرًا كان داهية في وسعه توسيع دائرة الفتنة‏.‏

أما عبد اللَّه بن مسعود الذي عزله عثمان عن الكوفة، فقد كان سيَّره عمر بن الخطاب إلى الكوفة وكتب إلى أهلها‏:‏

‏"‏إني قد بعثت عمار بن ياسر أميرًا، وعبد اللَّه بن مسعود معلمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ من أهل بدر فاقتدوا بهما وأطيعوا واسمعوا قولهما، ‏[‏ص 204‏]‏ وقد آثرتكم بعبد اللَّه على نفسي‏.‏‏"‏

فهذه هي شهادة عمر في عمار بن ياسر وعبد اللَّه بن مسعود‏.‏ وعمر لا يحابي أحدًا ولا يقول غير الحق‏.‏ فعزل عبد اللَّه بن مسعود أحدث استياء لما له من العلم والفضل وعن زيد بن وهب قال‏:‏ لما بعث عثمان إلى عبد اللَّه بن مسعود يأمره بالقدوم عليه بالمدينة وكان بالكوفة اجتمع الناس عليه فقالوا‏:‏ أقم ونحن معك نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه‏.‏ فقال عبد اللَّه‏:‏ إن له عليّ حق الطاعة، وإنها ستكون أمور وفتن فلا أحب أن أكون أوّل من فتحها، فرد الناس وخرج إليه‏.‏

قال المحب الطبري‏:‏

‏"‏الثاني‏:‏ ما ادعوا عليه من الإسراف في بيت المال وذلك بأمور منها أن الحكم بن العاص لما ردَّه من الطائف إلى المدينة، وقد كان طرده النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ وصله من بيت المال بمائة ألف درهم وجعل لابنه الحارث سوق المدينة يأخذ منها عشور ما يباع فيها‏.‏ ومنها أنه وهب لمروان خمس أفريقية‏.‏ ومنها أن عبد اللَّه بن خالد بن أسد بن أبي العاص بن أمية قدم عليه فوصله بثلاثمائة ألف درهم‏.‏ ومنها ما رواه أبو موسى قال‏:‏ كنت إذا أتيت عمر بالمال والحلية من الذهب والفضة، لم يلبث أن يقسم بين المسلمين حتى لا يبقى منه شيء‏.‏ فلما ولي عثمان أتيت به فكان يبعث به إلى نسائه وبناته‏.‏ فلما رأيت ذلك أرسلت دمعي وبكيت‏.‏ فقال لي‏:‏ ما يبكيك‏؟‏ فذكرت له صنيعه وصنيع عمر‏.‏ فقال‏:‏ رحم اللَّه عمر كان حسنة وأنا حسنة ولكلٍ ما اكتسب‏.‏ قال أبو موسى‏:‏ إن عمر كان ينزع الدرهم الفرد من الصبي من أولاده فيردّه في مال اللَّه ويقسّمه بين المسلمين، فأراك قد أعطيت إحدى بناتك مجمرًا ‏[‏المجمر والمجمَّرة‏:‏ التي يوضع فيها الجمر مع المدخنة‏.‏ ‏[‏القاموس المحيط، مادة‏:‏ جمر‏]‏‏.‏‏]‏ من الذهب مكللًا باللؤلؤ والياقوت، وأعطيت الأخرى درتين لا يعرف كم قيمتهما‏.‏ فقال‏:‏ إن عمر عمل برأيه ولا يألو عن الخير، وأنا أعمل برأيي ولا آلو عن الخير‏.‏ وقد أوصاني اللَّه تعالى بذوي قراباتي، وأنا مستوصٍ بهم وأبرّ برّهم‏.‏ ومنها ما قالوا إنه أنفق أكثر بيت المال في ضياعه ودوره التي اتخذها لنفسه ولأولاده‏.‏ وكان عبد اللَّه بن أرقم ومعيقيب على بيت المال في زمن عمر فلما رأيا ذلك استعفيا فعزلهما، وولاَّه زيد بن ثابت وجعل المفاتيح بيده‏.‏ فقال له يومًا‏:‏ قد فضل في بيت المال فضلة خذها لك، فأخذها زيد فكانت أكثر من مائة ألف درهم‏"‏‏.‏

‏"‏وأما القصة الثانية فهو ما ادعوه من إسرافه في بيت المال فأكثر ما نقلوه عنه مفترى عليه ومختلق وما صحَّ منه فعذره فيه واضح‏.‏ وأما ردّه الحكم إلى المدينة فقد ذكر ـ رضي اللَّه عنه ـ أنه كان استأذن النبي ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ في ردّه إلى المدينة فوعده بذلك‏.‏ فلما ولى أبو بكر سأله عثمان ذلك فقال‏:‏ كيف أرده إليها وقد نفاه رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ‏.‏ فقال له عثمان ذلك‏.‏ فقال له‏:‏ إني لم أسمعه يقول لك ذلك، ولم ‏[‏ص 205‏]‏ تكن مع عثمان بينة على ذلك، فلما ولي عمر سأله ذلك فأبى، ولم يريا الحُكم بقول الواحد، فلما ولى قضى بعلمه، وهو قول أكثر الفقهاء، وهو مذهب عثمان، وهذا بعد أن تاب الحكم عما كان طرده لأجله، وإعانة التائب مما تحمد‏.‏

وأما صلته من بيت المال بمائة ألف، فلم تصح، وإنما الذي صح أنه زوَّج ابنه من ابنة الحارث بن الحكم، وبذل لها من مال نفسه مائة ألف درهم، وكان ـ رضي اللَّه عنه ـ ذا ثروة في الجاهلية والإسلام، وكذلك زوَّج ابنته أم أبان من ابن مروان بن الحكم، وجهَّزها من خاص ماله بمائة ألف لا من بيت المال، وهذه صلة رحم يحمد عليها‏.‏

وأما طعنهم على عثمان أنه وهب خمس أفريقية من مروان بن الحكم فهو غلط منهم، وإنما المشهور في القضية أن عثمان كان جهز ابن أبي سرح أميرًا على آلاف من الجند، وحضر القتال بأفريقية‏.‏ فلما غنم المسلمون أخرج ابن أبي سرح الخمس من الذهب وهو خمسمائة ألف دينار فأنفذها إلى عثمان، وبقي من الخمس أصناف من الأثاث والمواشي مما يشق حمله إلى المدينة فاشتراها مروان منه بمائة ألف درهم، نقد أكثرها وبقيت منها بقية، ووصل عثمان مبشرًا بفتح أفريقية وكانت قلوب المسلمين مشغولة خائفة أن يصيب المسلمين من أفريقية نكبة، فوهب له عثمان ما بقي عليه جزاء ببشارته، وللإمام أن يصل المبشرين من بيت المال بما رأى على قدر مراتب البشارة‏.‏

وأما ذكره من صلته عبد اللَّه بن خالد بن أسد بثلاثمائة ألف درهم فإن أهل مصر عاتبوه على ذلك لما حاصروه، فأجابهم بأنه استقرض له من ذلك من بيت المال، وكان يحتسب لبيت المال ذلك من نفسه حتى وفَّاه‏.‏

وأما دعواهم أنه جعل للحارث بن الحكم سوق المدينة يأخذ عشور ما يباع فيه فغير صحيح‏.‏ وإنما جعل إليه سوق المدينة ليراعي أمر المثاقيل والموازين فتسلط يومين أو ثلاثة على باعة النوى واشتراه لنفسه، فلما رُفع ذلك إلى عثمان أنكر عليه وعزله وقال لأهل المدينة‏:‏ إني لم آمره بذلك‏.‏ ولا عتب على السلطان في جور بعض العمال إذا استدرك بعد علمه‏.‏ وقد روي أنه جعل على سوق المدينة وجعل له كل يوم درهمين وقال لأهل المدينة‏:‏ إذا رأيتموه سرق شيئًا فخذوه منه وهذا غاية الإنصاف‏.‏

وأما قصة أبو موسى فلا يصح شيئًا منها‏.‏ فإنه رواه ابن إسحاق عمن حدثه عن أبي موسى ولا يصح الاستدلال برواية المجهول‏.‏ وكيف يصح ذلك وأبو موسى ما ولى لعثمان عملًا إلا في آخر السنة التي قتل فيها ولم يرجع إليه، فإنه لما عزله عن البصرة بعبد اللَّه بن عامر لم يتول شيئًا من أعماله إلا إرسال أهل الكوفة إليه في السنة التي قتل فيها أن يوليه الكوفة فولاه إياها ولم يرجع إليه‏.‏ ثم يقال للخوارج والروافض إنكم تكفرون أبا موسى‏.‏ فلا حجة في دعوى بعضهم على بعض ‏[‏ص 206‏]‏‏.‏

وأما عزل ابن الأرقم ومعيقيب عن ولاية بيت المال، فإنهما أسنا وضعفا عن القيام بحفظ بيت المال‏.‏ وقد روي أن عثمان لما عزلهما خطب الناس وقال‏:‏ ‏"‏ألا إن عبد اللَّه بن الأرقم لم يزل على جرايتكم زمن أبي بكر وعمر إلى اليوم وأنه كبر وضعف وقد ولينا عمله زيد بن ثابت‏"‏‏.‏

وما نسبوه إليه من صرف مال بيت المال في عمارة دوره وضياعه المختصة، فبهتان افتروه عليه‏.‏ وكيف وهو من أكثر الصحابة مالًا‏؟‏‏.‏ وكيف يمكن ذلك بين أظهر الصحابة مع أنه الموصوف بكثرة الحياء، إذ أن الملائكة تستحي منه لفرط حيائه‏.‏

أعاذنا اللَّه من فرطات الجهل وموبقات الهوى آمين آمين‏.‏

وقولهم‏:‏ إنه دفع إليه ما فضل من بيت المال افتراء واختلاق بل الصحيح أنه أمر بتفرقة المال على أصحابه ففضل في بيت المال ألف درهم فأمره بإنفاقها فيما يراه أصلح المسلمين، فأنفقها زيد على عمارة مسجد رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ بعد ما زاد عثمان في المسجد زيادة كبيرة وكل واحد منهما مشكور محمود على فعله‏.‏

وإنا نقول‏:‏ إن المحب الطبري بدأ دفاعه من هذه المسألة بقوله‏:‏ إن أكثر ما ادَّعوه من إسرافه في بيت المال فأكثر ما نقلوه عنه مفترى عليه ومختلق، وما صحَّ عنه فعذره فيه واضح اهـ‏.‏ ولم يقل‏:‏ إن كل ما نقل مفترى عليه ومختلق‏.‏ وكان عمر ـ رضي اللَّه عنه ـ لا يدع شيئًا حتى يوزعه على المسلمين في الحال‏.‏ وقد ذكرنا في كتاب ‏"‏الفاروق عمر ابن الخطاب‏"‏ أن أبا موسى الأشعري أهدى لامرأة عمر ـ رضي اللَّه عنه ـ طنفسة ‏[‏طنفسة‏:‏ بساط‏]‏ قدرها ذراع وشبر، فدخل عليها عمر فرآها فقال‏:‏ أنَّى لك هذه‏؟‏ فقالت‏:‏ أهداها لي أبو موسى الأشعري‏.‏ فأخذها، فضرب بها رأسها حتى نَغَضَ رأسها‏.‏ ثم قال‏:‏ عليَّ بأبي موسى الأشعري وأتعبوه‏.‏ فأُتي به قد أتعب وهو يقول‏:‏ ‏"‏لا تعجل عليَّ أمير المؤمنين‏"‏‏.‏ فقال عمر‏:‏ ‏"‏ما يحملك على أن تهدي لنسائي‏"‏‏؟‏ ثم أخذها عمر فضرب بها فوق رأسه وقال‏:‏ ‏"‏خذها فلا حاجة لنا فيها‏"‏‏.‏ إن عمر رفض هذه الهدية البسيطة، وهي لا تساوي شيئًا اجتنابًا لكل شبهة حتى لا تسقط هيبته وتسوء سمعته، وقد قيل‏:‏ من وضع نفسه مواضع التهم فلا يلومنَّ من أساء الظن به‏.‏

ونحن نودُّ أن يكون ما قيل عن عثمان من التصرف في مال بيت المال غير صحيح‏.‏

وقد كان عبد اللَّه بن الأرقم على بيت المال زمن عمر، ثم ولاَّه عثمان بيت المال وأجازه بثلاثين ألفًا فأبى أن يقبلها وقال‏:‏ عملت للَّه وإنما أجري على اللَّه‏.‏ وكان عمر يقول‏:‏ ما رأيت أخشى للَّه تعالى من عبد اللَّه بن الأرقم‏.‏ وجاء في أسد الغابة أنه استعفى عثمان من ذلك فأعفاه من غير أن يذكر السبب‏.‏ على أن استعفاء عبد اللَّه بن الأرقم مع ما عرف عنه من أمانة، واستعفاء معيقيب أمر فيه نظر‏.‏ فهل كان كلاهما لا يصلح لبيت المال لكبر سنه‏؟‏ ‏[‏ص 207‏]‏‏.‏

ومما أُخِذَ على عثمان أنه لما حمل إليه خمس غنائم أفريقية اشتراه مروان بن الحكم بمبلغ 500‏.‏000 دينار فوضعها عند عثمان بدلًا من أن يفرق الخمس على المسلمين جريًا على سنة صاحبيه في توزيع الغنائم‏.‏

وإنا نكتفي بهذا القدر ففيما ذكرناه الكفاية، ونكرر أننا نجلّ قدر عثمان وأنه ذهب ضحية أقاربه الذين تسلطوا عليه وكلفوه ما لا يطيق‏.‏

  رأي الأستاذ المرحوم محمد الخضري بك ومناقشته

كتب الأستاذ محمد الخضري بك ‏[‏محمد الخضري بك، إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء‏]‏‏:‏

‏"‏وكل ما نقموه عليه يعني على عثمان أمر لا حرج على الإمام فعلها، منها توليته أقاربه وليس في هذا أدنى عيب، لأن رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ ولَّى عليًا وهو ابن عمه‏.‏ ولو كانت تولية القريب عيبًا لنهى عنها عليه السلام ولم يفعلها‏.‏ ومع ذلك فالإسلام سوَّى بين الناس لا قريب عنده ولا بعيد‏.‏ فالأمر موكول لرأي الإمام الذي ألقيت إليه مقاليد الأمة، فإن ولَّى من حاد عن الدين شكونا إليه، فإن لم يقبل صبرنا كما أمر بذلك رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، لأن شق عصا الجماعة من مصائب الأمم التي تسرع إليها الخراب وليس في الشرع ما يبيح خلع الإمام إلا كفره الصراح‏"‏‏.‏

هذا هو رأي الأستاذ الخضري بك رحمه اللَّه في كتابه المشار إليه فهو ممن يبررون عمل عثمان ويرون أنه اتبع الشرع والسنة‏.‏ وإنا نقول‏:‏ إن تولية عثمان أقاربه أحدثت سخطًا عامًَّا، وأخذ السخط يتسع على مرِّ الأيام، وكان في وسعه تجنب ذلك، لكنه ـ رضي اللَّه عنه ـ كان يتوب ويعد بعزلهم، ثم لا يفعل شيئًا‏.‏ إن عثمان إذًا كان يريد مساعدة أهله وأقاربه برًَّا بهم، فقد كان هناك وسائل غير توليتهم الأمصار الكبيرة التي يشترط فيمن يتولاها الكفاية وحسن السمعة ونقاء الماضي، وكان كثير من الصحابة كما قدمنا حائزين لهذه الصفات والمؤهلات، ومع ذلك ضرب عنهم صفحًا ولم يسند هذه المراكز وقد قيل‏:‏ من الحكمة وضع الأشياء في مواضعها‏.‏ فلما ولَّى أقاربه اعترض الناس بطبيعة الحال وامتعضوا ورموه بأنه لم يراع المصلحة العامة، بل راعى أقاربه وقدمهم في الوظائف الكبيرة على من هم أهل لذلك ممن يجلهم ويحترمهم الجمهور، وكان بين هؤلاء الأقارب المتهم في دينه وتقواه‏.‏ ثم إنه عزل من سبق له الفضل في الفتح لإحلال القريب محله‏.‏

وإذا كان الإسلام سوَّى بين الناس لا قريب عنده ولا بعيد فكان الواجب إذن يقضي على الخليفة باختيار من يصلح لا إيثار القريب لقرابته بغض الطرف عن المصلحة العامة التي هي فوق كل مصلحة ‏[‏ص 208‏]‏‏.‏

نعم إن رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ لم يَنه عن تولية القريب لكن على أن يكون هذا القريب شخصًا ممتازًا حكيمًا‏.‏ وهذا ما فعله رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ فإنه باعتراف جميع المؤرخين من عرب وعجم لم يخطئ في تولية أحد القيادة، أو الحكم، فكان عارفًا بأقدار الرجال‏.‏ وكان عمر ـ رضي اللَّه عنه ـ إذا تبين له أنه لم يوفق في تولية أحد وظهر فيما بعد ضعفه، أو عجزه، أو ارتكب أمرًا شائنًا عزله في الحال وولى غيره، كي تنتظم الأمور ويقام العدل وتهاب الرعية الوالي‏.‏ لكن عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ بالرغم من سخط الناس من ولاته واعتراض كبار الصحابة المشهورين بأصالة الرأي وبعد النظر والتقوى ظل متمسكًا بهم إلى النهاية حتى قتل، ولم يعزل غير سعيد بن العاص بعد أن بلغت الفتنة أشدها في الكوفة‏.‏

كاتب الناس بعضهم بعضًا في الأمصار، وتبادلوا الرسائل التي تطعن على عثمان وعلى ولاة عثمان، وأخيرًا قامت الثورة، وكان جمهور المسلمين قسمين‏:‏ ثائرًا يريد عزل الخليفة، فإن لم يعتزل يقتل، وقسمًا غير راضٍ عن سياسته، ويودُّ أن يعتزل حسمًا للنزاع وقمعًا للفتنة، لكنه التزم الحياد ولم يبق في صف عثمان غير أهله وأقاربه، حتى قيل‏:‏ إن عبد الرحمن بن عوف وهو صهره ندم على اختياره خليفة، بل وزاد على ذلك أنه نقض بعض ما عمله عثمان‏.‏ فقد جاء في الطبري أن إبلًا من إبل الصدقة جيء بها على عثمان فوهبها لبعض ولد الحكم ابن أبي العاص فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فأخذها وقسَّمها بين الناس وعثمان في داره‏.‏ وعلى ذلك كان السواد الأعظم في ذلك إما ناقمًا عليه أو غير راضٍ عن خطئه، ولولا ذلك لوجد عثمان من يدافع عنه ويصدّ عنه غارة طائفة خرجت عليه، ولفدوه بأرواحهم بل لما نهض من كل مصر جيش يطالب بخلعه‏.‏ نعم إن عبد اللَّه بن سبأ كان عاملًا قويًا في نشر الفتنة، لكن عبد اللَّه هذا لم يقدم على نشر دعايته الواسعة النطاق إلا لما علم أن الناس يستمعون له، وأن النفوس مستعدة لقبول كلامه‏.‏ ولو تصوَّرنا أن عثمان لم يكن يعلم اتجاه الرأي العام ضده لكان معذورًا لكن حصره أربعين أو خمسين يومًا لا يؤيد ذلك، بل الثابت أنه أيقن أخيرًا بخطورة الحال لما طال الحصر وأحرقوا بابه وألقوا النار في منزله ومنعوا عنه الماء‏.‏ إلا أن قتله كان جرمًا شنيعًا وخطبًا مريعًا، فإن القتلة قد استعجلوا القدر وكان قد بلغ سن الشيخوخة وضعفت قواه، وعلى كل حال لم يبرر أحد قتله، بل عدَّه عقلاء الأمة نكبة عليها وفاتحة للخلاف والانقسام‏.‏

وقال الخضري بك‏[‏محمد الخضري بك، تاريخ الأمم الإسلامية‏"‏ ص 395‏]‏‏:‏

‏"‏فقد كانوا يعيبون معاوية، وهذا لم يوجده عثمان، بل ولاَّه رسول اللَّه ـ صلى اللَّه عليه وسلم ـ، وولاَّه أبو بكر، وولاَّه عمر، ولم نرَ من العمال من استمر موثوقًا به من عمر في حياته كلها إلا أفرادًا قلائل منهم ‏[‏ص 209‏]‏ معاوية بن أبي سفيان، فقد كان واليًا من أول حياة عمر إلى آخرها، وكانت الشام أعدل ولايات المسلمين وأهدأها‏"‏‏.‏

وإنا نجد الجواب على ذلك في ردِّ عليّ ـ رضي اللَّه عنه ـ حين قال له عثمان‏:‏ ‏"‏هل تعلم أن عمر ولَّى معاوية خلافته كلها‏؟‏‏.‏ فقد وليته‏"‏‏.‏ فأجابه عليٌّ‏:‏ ‏"‏أنشدك اللَّه‏!‏ هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر منه‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال عليٌّ‏:‏ فإن معاوية يقطع الأمور دونك وأنت تعلمها، فيقول للناس‏:‏ هذا أمر عثمان فيبلغك، ولا تُغَيِّر على معاوية‏"‏‏.‏ فسكت ولم يجب‏.‏

فمعاوية ما كان يستطيع أن يقطع أمرًا وينسبه إلى الخليفة في زمن عمر، لأنه كان يخشاه، كما كان يخشى غلام عمر، لكنه في زمن عثمان كان يفعل ما يشاء لاطمئنانه إليه، فإن اعترض عليه معترض ادَّعى أن ذلك بأمر الخليفة، وكان عثمان إذا بلغه ذلك لم يؤاخذه‏.‏ فالقول بأن معاوية ولاَّه عمر وأقرَّه طول حياته لا يبرر أعمال معاوية زمن عثمان‏.‏